|
|
الاستثمار في التكنولوجيا في الأردن، ما بين الطموحات والتحديات |
|
|
[6/21/2008]
|
|
|
طباعة |
|
|
محمود عبد الناصر التكريتي
فتح التطور الكبير الحاصل في التكنولوجيا الباب على مصراعيه لتنافس الدول في بيع منتجاتها التكنولوجية المتقدمة لعدة دول حول العالم، وأصبحت التكنولوجيا ليست وسيلة للترفيه واختصار الوقت والجهد فحسب، وإنما تعد من أكبر رؤوس الأموال التي تعتمد عليها الدول في نشاطها الاقتصادي، ولعل اليابان أكبر دليل على ذلك.
وعند العودة للتاريخ نكتشف أن التطور العلمي والتقني الحاصل على الساحة ما هو إلا وليد قرن مضى، فلنأخذ تطور الحاسب الآلي على سبيل المثال، فسنجد أن النماذج الأولى من الحاسب الآلي صنعت لأغراض الحساب والعمليات الرياضية، التي ما لبثت أن تطورت شيئاً فشيئاً لتدخل هذه الصناعات في كافة مجالات حياتنا وبمختلف الأحجام، ابتداء من الآلات بالغة الدقة ومتناهية الصغر التي تستخدم في العمليات العسكرية، مروراً بآلات بحجم الكف وحجم المكتب وتستخدم عادة للأغراض العامة والعلمية، ونهاية بالآلات العملاقة، ومنها على سبيل المثال الأقمار الصناعية التي تستخدم في نقل الصور من على الأرض، ولأغراض التجسس والعديد من الأمور الأخرى التي قد لا يتسع المقام لذكرها هنا.
ولندخل الآن في صلب الموضوع، فما يعنيني من هذه المقدمة، هو بيان مواكبة الدول المتقدمة لكافة أشكال التقدم الحضاري، التي تعد التقنيات التكنولوجية أبرزها، فنجد أن التكنولوجيا لم تعد حكراً على دول معينة دون غيرها، والعديد من الدول باشرت بالاستثمار في التكنولوجيا، واستطاعت في فترة زمنية قصيرة نسبياً تقديم منتجات منافسة للمنتجات الأمريكية والأوروبية، وأكبر مثال على ذلك اليابان، التي لم تكتفي بمنافسة جودة وكفاءة المنتجات الأمريكية فحسب، وإنما غزت بمنتجاتها الأسواق الأمريكية والأوروبية على حد سواء.
وعلى الصعيد العربي نجد القليل من المحاولات الجادة لمواكبة التكنولوجيا الحديثة، وتعد مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر نماذج قليلة باشرت بمواكبة التكنولوجيا ونجحت في ذلك إلى حد ما.
ففي الأردن، ومنذ تولي جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم الحكم، أعطى جلالته أوامر ملكية للمباشرة في تدريس مواد الحاسوب في كافة مدارس المملكة، وتزويدها بمختبرات حاسوبية حديثة ومزودة بخدمة الإنترنت، كما تم إعطاء المعلمين دورات في الحاسوب، ليصبحوا قادرين على التعامل مع لغة العصر، تمهيداً لتطبيق التعليم الإلكتروني عبر الحاسوب والإنترنت في كافة المدارس والجامعات، فضلاً عن مبادراتي "حاسوب لكل طالب جامعي" و"حاسوب لكل مواطن"، كما انتشرت الأجهزة التكنولوجية من هواتف نقالة وحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المتنوعة في كافة أرجاء المملكة وبأسعار زهيدة، مما ساهم في انتشارها بين الناس انتشار النار في الهشيم، وأضحت سلعاً أساسية يصعب الاستغناء عنها.
وفي دولة مثل الأردن، تعد الثروة البشرية من الشباب ثروتها الوحيدة في مواجهة تحديات العصر، حيث برز بعض النوابغ من الشباب الذين وظفوا التكنولوجيا لابتكار إبداعاتهم الخاصة، فمنهم من ابتكر أنظمة تشغيل عربية بديلة لنظام النوافذ الشهير ويندوز من شركة مايكروسوفت، ومنهم من اخترع أجهزة تقنية لأغراض طبية وعسكرية وخدمية متنوعة، ومنهم من استفاد منها في تجاربه ودراساته العلمية وأضاف شيئاً جديداً ومميزاً إلى المكتبة الأردنية والعربية والعالمية.
هذا وينتظر الأردن مستقبل باهر نتيجة الاستثمار في التكنولوجيا، إلا أن هناك بعض التحديات التي ينبغي علينا القضاء عليها لضمان الحصول على نتائج تجعلنا في مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً، فعلى الرغم من الإنجازات التي لا يمكن إغفالها للشباب الأردني في هذا المجال، إلا أن قدم المناهج التي تدرس في مدارسنا وجامعاتنا، والتي يمكن وصفها بـ "أكل الدهر عليها وشرب" نتيجة عدم مواكبتها لآخر مستجدات التقدم العلمي الحاصل، ومما يجعلها غير صالحة للتدريس، فضلاً عن اصطدام الطالب بالواقع المر عند تخرجه من مدرسته أو جامعته، ليرى أشياء أخرى جديدة مختلفة تماماً عما درسه، ومن المشاكل الأخرى التي نواجهها في هذا المجال، سوء استخدام الأجهزة التكنولوجية من قبل أغلبية الشباب، فأصبحت لا تزيد عن كونها آلية للتعارف والترفيه وقضاء الوقت في أشياء غير مفيدة، كما تطغى عليها أحياناً استخدامات غير شرعية ولا أخلاقية، تدل على عدم وعي فئة لا بأس بها من الشباب بمدى أهمية هذه التقنيات، وكيفية توظيفها في خدمة الوطن والمجتمع، كما أنه وعلى الرغم من انخفاض أسعار العديد من هذه التقنيات والبرمجيات في أسواقنا المحلية، إلا أن ارتفاع الأسعار المواد الأساسية بشكل ملحوظ والتآكل المستمر في دخول المواطنين، لا تجعل هذه التقنيات أولى أولياتهم، فلقمة العيش أهم بكثير من التقنيات والتكنولوجيا والترفيه، مما يؤدي بالنتيجة إلى تراجع مستخدمي هذه الخدمات والتقنيات، وحصرها بطبقة معينة وبأفراد معينين على المدى البعيد.
أما عن الحلول، فأعتقد أن مواكبة المناهج للتقنيات المتقدمة بشكل نصف سنوي أو سنوي على أقل تقدير، سيكون كفيلاً بإعداد جيل تقني نباهي به العالم أجمع، فضلاً عن إعداد دورات تدريبية دورية في أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا والتقنية لكل من الطلاب والمعلمين في المدارس والجامعات، مع ضرورة الإسراع وحث الخطى لتطبيق التعليم الإلكتروني في كافة المنابر الأكاديمية في المملكة، مما سيوفر بالتالي في التكاليف ويساعد على مواكبة التكنولوجيا الحديثة بصورة أفضل بكثير من السابق، كما ينبغي توعية الشباب بكافة الوسائل والسبل في كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة بما هو مفيد ونافع، وهذه مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى ثم مسؤولية الحكومة والمدرسة فالجامعة، ومن الضروري أيضاً في هذا السياق ضمان الأمن المادي للمواطنين ورفع مستوى الدخول والمعاشات، وحل المشاكل الاقتصادية من بطالة وكساد وتضخم، لينتقل تركيز المواطن من لقمة عيشه إلى الإبداع وخدمة وطنه، فكيف نتوقع الإبداع من شخص جائع؟!!
وفي الختام لا بد من دعم الشباب مادياً ومعنوياً ومكافأتهم على إنجازاتهم، فالعديد من الشباب يصابون بالإحباط واليأس نتيجة عدم الاهتمام بهم ودعمهم، فيتوقفوا عن الإبداع، وبذلك يخسر الوطن كثيراً ما كان لينجزه هذا الشاب لو حصل على الدعم الذي يستحقه، هذا إذا ما اكتشفته دولة أجنبية وسعت إلى تقديم الدعم اللازم له، فنخسر بالتالي مبدعاً كان من الممكن أن يستفيد من إبداعه الكثيرين، ويشكل دعم الشباب الضمانة الوحيدة للاستفادة من إبداعاتهم وخدمة وطنهم الأم، فضلاً عن حث الشباب الآخرين على الإبداع بإثارة الغيرة الإيجابية البناءة لديهم، لدفعهم للعمل والإنجاز والحصول على المكاسب التي تحققت لغيرهم من الشباب، فبالعمل ومواكبة كل جديد وتكريم المبدعين نصل إلى أقصى درجات المجد والعزة والتقدم. |
|
|
* مقالات أخرى مرتبطة
|
|